لقد أنفقت ثروة طائله فى السفر إلى شواطئ بعيده؛ فرأيت جبالا شاهقه و محيطات لا يحدّها حد. ولكنّى لم أجد متسعا من الوقت لأن أخطو بضع خطوات قليله خارج منزلى؛ لأنظر إلى قطره واحده من الندى؛ على ورقه واحده من أوراق العشب. "طاغور "
يدهشنى الآن طول الوقت الذى احتجت إليه لكى أتعلّم كيف أن علىّ أن أضع ثقتى لا فى الكتاب ؛ مهما بدا جذّابا باسمه أو موضوعه ؛ بل فى مؤلّفه. وأن أدرك أن هناك بعض الكتّاب الذين يمكن أن يشعر القارئ معهم بالأمان ؛ فيستطيع أن يطمئن إلى أن أى شئ يصدر عنهم سوف يكون على الأرجح جديرا بالقراءه ؛ و أن عدد هذا النوع من الكتّاب فى أى فرع من فروع المعرفه ؛ أقل بكثير ممّا نظن ؛ و أن نسبتهم إلى المجموع تميل إلى التضاؤل مع ازدياد عدد من يكتبون الكتب دون أن تكون لديهم فى الحقيقه الموهبه اللازمه ؛ بل ولا حتى الأفكار التى تبرر قيامهم بتأليف الكتب أصلا
الدخول إلى الكويت كدخول فأر صغير فى زجاجه رأى بها قطعه كبيره من الجبن أسالت لعابه فجرى إليها دون أن يفكر فيما إذا كان سيستطيع الخروج من الزجاجه بعد أن يلتهم قطعة الجبن !!
فى وصفه ل "سيرك الطيور" الذى شاهده فى إحدى حدائق "لوس آنجلوس"
"قد ذكّرنى هذا المنظر ببلادنا الفقيره ؛ وبما صنعه بنا الرجل الغربى مما يشبه ما صنعه المروّض الأمريكى. فها هى طيور لا تقل عن مروّضها فى قدراتها و إمكانياتها ولكنّها تفوقه مهابه ؛ فهى تستطيع الطير حيث لا يستطيعه ؛ وهى تهتم بصغارها حيث لا يبدى اهتماما كافيا بصغاره ؛ وهى لا تكذب أو تنافق فى سبيل حصولها على الرزق ؛ ولكن المروّض لا يريد أن يعترف لها بفضل إلا إذا نجحت فى تقليده ؛ و استطاعت الوقوف على قدم واحده و لعبت كرة القدم ؛ و أظهرت من القدرات ما ليس لديها أدنى استعداد أو حاجه إليه
من الممكن أن نعرّف الكتاب الجيد تعريفا لا بأس به؛ بأنّه الكتاب الذى يقول لك ما كنت تعرفه بالفعل؛ أو الذى يمدّك بالحجج التى تحتاج إليها لتأييد وجهة نظرك
كم تغيرت نظرتى إلى هذه الأشياء كلّها؛ وكم تبدو لى الآن نظرتى القديمه مفرطه فى التفاؤل؛ بل أكاد أقول فى السذاجه أيضا. إن هدفنا من قراءة الكتب و الصحف و رؤية المسرحيات و الأفلام و الذهاب إلى حفلات الموسيقى لم يكن مجرّد الترويح عن النفس أو التسليه؛ بل ولا كان مجرّد زيادة معلوماتنا عمّا يجرى فى العالم؛ بل كان هدفنا "الفهم" و الوصول إلى "الحقيقه". ولكنّى لم أعرف إلاّ بعد سنوات كثيره كم هو صعب تحقيق هذا الهدف؛ إن كان ممكنا على الإطلاق.
"جورج أورويل" يقصد أن يقول أيضا -فيما أظن- أن أفضل الأفكار و أهمّها هى أبسط الأفكار و أسهلها؛ و من ثمّ فليس من الغريب أن تطرأ على ذهن الكثيرين؛ فيأتى الكتاب الجيد فقط لتأكيدها و توضيحها.
ربّما كان فيما نعرفه عن حياة" نجيب محفوظ" شيئا يدعم نفس الفكره. فالرجل الذى عاش حتى بلغ الخامسه و التسعين و أنتج كل هذه الروايات التى حازت إعجاب الكثيرين و جلبت له جائزة نوبل كان كارها للترحال بدرجه تلفت النظر. كان ملتصقا التصاقا مدهشا بمدينته و حيّه و المقهى الذى يجلس فيه كل يوم؛ و يرفض رفضا باتا أى فرصه تتاح له للسفر لرؤية بلد جديد و تجربة أى نمط مختلف للحياه. و كأن تجاربه الجديده؛ و هى بلا شك كثيره جدا؛ كانت تدور كلها داخل رأسه. نعم نحن نعرف أيضا أن" نجيب محفوظ" كان قارئا نهما؛ ولكن ما أقل إشادة" نجيب محفوظ" بكتّاب بعينهم باعتبارهم أصحاب فضل كبير على أدبه وفكره؛ وما أصعب أن نتبين تأثيرا لكاتب معين يفوق تأثير غيه. و كأن المهم فى حالة" نجيب محفوظ" ليس ما قرأه من كتب بل ما صنع ذهنه بهذه الكتب؛ أو على الأرجح ما جاءت هذه الكتب لتدعمه مما كان يدور بذهنه من قبل.
ما هو إذن تفسير ما أشعر به الآن من رضا عن حياتى و استقبالى لكل يوم جديد بدرجه من التفاؤل من النادر أن شعرت بمثلها فى الماضى؟ تفسير ذلك أنّى؛ وإن كنت فقدت المشاعر المتأججه بالسرور فقدت أيضا المشاعر الملتهبه بالحزن. لقد عرفت عيوبى و قبلتها؛ ولم أعد أعذب نفسى بأن أتمنى أن أكون شخصا آخر أو الحصول على ما أعرف أن من المستحيل تحقيقه. أصبحت مستعدا لأن أقبل بسهوله أن هناك من هو أفضل منى فى هذا الأمر أو ذاك؛ قانعا بأن لدىّ من هذا الشئ أو ذاك ما يكفينى و زياده.
نعم .. إن اسباب الحزن كثيره .. ولكن مصادر الفرح كثيره ايضا .. ولازال لدى الكثير منها.
صحيح أن الأمثله على خيبة الأمل كثيره؛ ولكن ما أكثر ما نمر به أيضا فى حياتنا من أحداث ساره لم يكن يخطر ببالنا وقوعها؛ ولا كنا لنأمل فيها فى أكثر لحظاتنا تفاؤلا. نعم؛ ما أكثر الآمال التى تصاب بالخيبه؛ ولكن ما أكثر مصادر السرور التى لم نكن نتوقّعها أو نطمح إليها. صحيح أن الإصرار على إنهاء القصص نهايه سعيده لا يعبّر عن الحقيقه؛ ولكنّه ليس أقل صدقا من الإصرار على إنهائها نهايه غير سعيده



